فخر الدين الرازي
249
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
يدخل فيه الملك وثالثها : أن الملك خرج عن النص بسائر الدلائل ، قالوا : وذلك لأن الفضيلة إما مكتسبة أو موهوبة ، فإن نظرت إلى الموهوبة فأصلهم من نور وأصلك من حمأ مسنون ، ومسكنهم دار لم يترك فيها أبوك مع الزلة ومسكنكم أرض هي مسكن الشياطين ، وأيضا فمصالحنا منتظمة بهم ورزقنا في يد البعض وروحنا في يد البعض ، ثم هم العلماء ونحن المتعلمون ، ثم انظر إلى عظيم همتهم لا يميلون إلى محقرات الذنوب ، ومن ذلك فإن اللّه تعالى لم يحك عنهم سوى دعوى الإلهية حين قال : وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلهٌ مِنْ دُونِهِ [ الأنبياء : 29 ] أي لو أقدموا على ذنب فهمتهم بلغت غاية لا يليق بها إلا دعوى الربوبية ، وأنت أبدا عبد البطن والفرج ، وأما العبادة فهم أكثر عبادة من النبي لأنه تعالى مدح النبي بإحياء ثلثي الليل وقال فيهم : يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ لا يَفْتُرُونَ [ الأنبياء : 20 ] ومرة : لا يَسْأَمُونَ [ فصلت : 38 ] وتمام القول في هذه المسألة قد تقدم في سورة البقرة . [ سورة البينة ( 98 ) : آية 8 ] جَزاؤُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَداً رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ ( 8 ) [ في قوله تعالى جَزاؤُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَداً رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ] اعلم أن التفسير ظاهر ونحن نذكر ما فيها من اللطائف في مسائل : المسألة الأولى : اعلم أن المكلف لما تأمل وجد نفسه مخلوقا من المحن والآفات ، فصاغه من أنجس شيء في أضيق مكان إلى أن خرج باكيا لا للفراق ولكن مشتكيا من وحشة الحبس ليرحم ، كالذي يطلق من الحبس يغلبه البكاء ليرحم ، ثم لم يرحم بل شدته القابلة ولم يكن مشدودا في الرحم ثم لم يمض قليل مدة حتى ألقوا في المهد وشدوه بالقماط ، ثم لم يمض قليل حتى أسلموه إلى أستاذ يحبسه في المكتب ويضربه على التعليم وهكذا إلى أن بلغ الحلم ، ثم بعد ذلك شذ بمسامير العقل والتكليف ، ثم إن المكلف يصير كالمتحير ، يقول : من الذي يفعل في هذه الأفعال مع أنه ما صدرت عني جناية ؟ فلم يزل يتفكر حتى ظفر بالفاعل ، فوجده عالما لا يشبه العالمين ، وقادرا لا يشبه القادرين ، وعرف أن كل ذلك وإن كان صورته صورة المحنة ، لكن حقيقته محض الكرم والرحمة ، فترك الشكاية وأقبل على الشكر ، ثم وقع في قلب العبد أن يقابل إحسانه بالخدمة له والطاعة ، فجعل قلبه مسكنا لسلطان عرفانه ، فكأن الحق قال : عبدي أنزل معرفتي في قلبك حتى / لا يخرجها منه شيء أو يسبقها هناك فيقول العبد : يا رب أنزلت حب الثدي في قلبي ثم أخرجته ، وكذا حب الأب والأم ، وحب الدنيا وشهواتها وأخرجت الكل . أما حبك وعرفانك فلا أخرجهما من قلبي ، ثم إنه لما بقيت المعرفة والمحبة في أرض القلب انفجر من هذا الينبوع أنهار وجداول ، فالجدول الذي وصل إلى العين حصل منه الاعتبار ، والذي وصل إلى الأذن حصل منه استماع مناجاة الموجودات وتسبيحاتهم ، وهكذا في جميع الأعضاء والجوارح ، فيقول اللّه : عبدي جعلت قلبك كالجنة لي وأجريت فيه تلك الأنهار دائمة مخلدة ، فأنت مع عجزك وقصورك فعلت هذا ، فأنا أولى بالجود والكرم والرحمة فجنة بجنة ، فلهذا قال : جَزاؤُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ بل كأن الكريم الرحيم يقول : عبدي أعطاني كل ما ملكه ، وأنا أعطيته بعض ما في ملكي ، وأنا أولى منه بالكرم والجود ، فلا جرم جعلت هذا البعض منه موهوبا دائما مخلدا ، حتى يكون دوامه وخلوده جابرا لما فيه من النقصان الحاصل بسبب البعضية .